الجاحظ
88
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
آيَةً تَعْبَثُونَ . وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ . وذكر الذين قالوا من أشدّ منا قوة . ثم قال : حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، وأنزلوا فيها فلا يدعون ضيفانا ، وجعل لهم من الضريح أجنان ، ومن التراب أكفان ، ومن الرفات جيران ، فهم حيرة لا يجيبون داعيا ، ولا يمنعون ضيما ، إن أخصبوا لم يفرحوا ، وإن أقحطوا لم يقنطوا ، جميع وهم آحاد ، وجيرة وهم أبعاد ، متناءون لا يزارون ولا يزورون ، حلماء قد ذهبت أضغانهم وجهلاء قد ماتت أحقادهم ، لا يخشى فجعهم ، ولا يرجى دفعهم ، وكما قال جل وعز : فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ . استبدلوا بظهر الأرض بطنا ، وبالسّعة ضيقا ، وبالأهل غربة ، وبالنور ظلمة ، فجاءوها كما فارقوها : حفاة عراة فرادى : غير أنهم ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة ، وإلى الخلود الأبد . يقول اللّه : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ . فاحذروا ما حذركم اللّه ، وانتفعوا بمواعظه ، واعتصموا بحبله . عصمنا اللّه وإياكم بطاعته ، ورزقنا وإياكم أداء حقه . خطبة محمد بن سليمان يوم الجمعة وكان لا يغيرها الحمد للّه . أحمده واستعينه واستغفره ، وأومن به وأتوكل عليه ، وأبرأ من الحول والقوة إليه . واشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، واشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون . من يعتصم باللّه ورسوله فقد اعتصم بالعروة الوثقى ، وسعد في الآخرة والأولى . ومن يعص اللّه ورسوله فقد ضلّ ضلالا بعيدا ، وخسر خسرانا مبينا . أسأل اللّه أن يجعلنا وإياكم ممن يطيعه ويطيع رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويتّبع رضوانه ، ويتجنب سخطه ، فإنما نحن به وله . أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه ، وأحثّكم على طاعة اللّه ، وأرضى لكم ما عند اللّه ، فإن تقوى اللّه أفضل ما تحاثّ الناس عليه ،